الشيخ محمد رشيد رضا
550
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بعد كتابة ما تقدم وجمعه للطبع راجعت شرح الحافظ للحديث في كتاب الرقاق من البخاري فإذا هو قد ذكر الاشكال وأجوبة عنه بمعنى ما تقدم من الخصوصية وتخصيص العموم وكون التخفيف من عذاب المعاصي دون الكفر ، والتجوز في لفظ الشفاعة فنقل عن ( المفهم شرح صحيح مسلم ) للقرطبي ان أبا طالب لما بالغ في اكرام النبي ( ص ) والعذاب عنه جوزي على ذلك بالتخفيف فأطلق على ذلك شفاعة لكونها بسببه اه هذا وان في المسألة مباحث نرجيء القول فيها إلى تفسير آيات السور الأخرى التي أشرنا إليها في سياق هذا الكلام ونختم الكلام هنا بمسألتين من متعلقاته ( المسألة الأولى حظر إيذاء الرسول أو آله بذكر أبويه أو عمه بسوء ) إذا علمت أن حكمة بيان كتاب اللّه تعالى وحديث رسوله ( ص ) لكفر من ذكر وعذابهم في النار هي تقرير أساس الدين وهو التوحيد على أكمل وجه فاعلم أن الذي يطلب شرعا هو أن يذكر ذلك في مقام التعليم وهو يشمل قراءة القرآن وتفسيره ورواية الحديث وشرحه - ومنه أو مثله السيرة النبوية وتاريخ الاسلام - وبيان عقيدة أهل السنة والجماعة ومن وافقهم من الفرق والرد على من خالفهم . ولا يجوز أن يتجاوز ذلك إلى ما يخل بالأدب ، ويؤذي الرسول أو آله بحسب أو نسب ، وناهيك بالام والأب ، وبأبي طالب دون أبي لهب ، بل لا ينبغي أن يذكر أبو لهب بسوء موصوفا بكونه عم الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الا في مقام التعليم والبيان الذي تقدم ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت : استأذن حسان بن ثابت النبي ( ص ) في هجاء المشركين قال « كيف بنسبي فيهم » فقال حسان : لا سلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين » أي لا خلصن نسبك من أنسابهم حتى لا يصيبه من الهجو شيء . وفي رواية انه استأذنه في هجو أبي سفيان فقال « كيف بقرابتي منه » فأجاب حسان بنحو ما تقدم ، وقد كان أبو سفيان يومئذ أشد الناس عداوة للنبي ( ص ) ومن هدي علماء السلف في ذلك واقعتان رويتا عن عمر بن عبد العزيز ( رض ) وناهيك يعلمه وهديه ( إحداهما ) انه اتي بكاتب يخط بين يديه وكان أبوه كافرا .